”إغتالوا
عدنان المالكي وأرادوا بالرصاصة ذاتها وباللحظة ذاتها إغتيال الحزب السوري القومي الاجنماعي"
حاول العقيد أديب الشيشكلي في أول أيام انقلابه
أن لا يتدخل في الأمور السياسية ولو بشكل موقت، لذلك حافظ على وجود الرئيس هاشم
الأتاسي في منصب رئاسة الجمهورية وعلى استمرار الجمعية التأسيسية المنتخبة من
الشعب ديموقراطياً.
وفي ذلك
العهد استمر الصراع بين الأحزاب السياسية وبمشاركة القيادات العسكرية
المتناحرة على السلطة لفرض مبادئها على سوريا.
وكان من
نتائج ذاك الصراع أن وقع يوم 31 تموز يوليو 1950 اعتداء ذهب ضحيته العقيد محمد
ناصر آمر سلاح الطيران السوري ومن أعضاء القيادة في الحزب السوري القومي
الاجتماعي وهو من القيادات العسكرية الذكية في سلاح الجو. وأطلق عليه الرصاص من
قبل المقدم إبراهيم الحسيني رئيس الشعبة "الثانية" في مخابرات
الجيش، وشاركه بالاغتيال الملازم عبدالغني قنوت من ضباط الشعبة الثانية وهو
من جماعة أكرم الحوراني ومن مدينة حماه أيضاً. واتهم العقيد أديب الشيشكلي
بأنه وراء حادث الاغتيال.
وشكلت
محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين بالحادث وحضر من جهة الدفاع عنهم المحاميان سامي
الصلح وإميل لحود، والمحامي السوري خليل كلاس من أنصار أكرم الحوراني. وبرأت
المحكمة المتهمين وذهب دم العقيد ناصر هدراً.
وبعد هذا
الحادث الأليم وللحفاظ على تضامن الجيش السوري أصدر أنور بنور رئيس الأركان
العامة بلاغاً أشار فيه أن رسالة الجيش الدفاع عن الوطن.
وحذرت
رئاسة الأركان العامة كل العسكريين من التدخل في شؤون البلاد تحت طائلة العقوبات.
وكان هذا
البلاغ موجهاً للأحزاب السياسية العقائدية: السوري القومي، والبعث العربي
الاشتراكي، وخصوصاً أكرم الحوراني الذي عيّن في منصب وزارة الدفاع في عهد أديب
الشيشكلي. واستغل وجوده بالوزارة وأخذ يحرض القيادات العسكرية ومنها الشباب
للانضمام لحزبه. ومنذ ذاك الوقت بدأت العلاقة تتأزم بين الحوراني والعقيد الشيشكلي
وأدى الأمر إلى طلاق نهائي بينهما.
وتفاقم
الصراع بين أقطاب حزب البعث والعقيد الشيشكلي. وحاول أقطاب البعث ميشيل عفلق وأكرم
الحوراني وصلاح الدين البيطار تحريض القيادة العسكرية القيام بحركة انقلابية
للاطاحة بعهد الشيشكلي. وخصوصاً عندما منع الشيشكلي نشاط الأحزاب السياسية، وعهد
للعقيد عدنان المالكي القيام بهذه الحركة بالتعاون مع المقدم مصطفى حمدون والمقدم
عبدالغني قنوت. واكتشف الشيشكلي تلك المحاولة وطلب من الأجهزة الأمنية ملاحقة
أقطاب البعث إلا أنهم عبروا الحدود إلى لبنان، وغادروا إلى روما وأقاموا إلى جانب
العقيد إبراهيم الحسيني الذي استقال من منصبه في السفارة السورية في واشنطن وأقام
في العاصمة الإيطالية. واعتقل العقيد عدنان المالكي وسرح من الجيش بقرار من العقيد
الشيشكلي.
في
العاشر من تموز يوليو 1953 انتخب العقيد أديب الشيشكلي رئيساً للجمهورية واستمر
حكمه حتى يوم 25 شباط فبراير 1954حين أطيح به في انقلاب عسكري بدعم من رجالات
السياسة والأحزاب وأذاع البلاغ الأول النقيب مصطفى حمدون، من أنصار أكرم الحوراني،
من إذاعة حلب معلناً العصيان المسلح.
وقرر
الشيشكلي الانسحاب، وقدم استقالته للشعب السوري، وتوجه إلى بيروت.
وبزوال عهد الشيشكلي أطلق سراح عدنان المالكي
وأعيد إلى الجيش واختير معاوناً لرئيس الأركان العامة ورئيساً للشعبة الثالثة أي
شعبة العمليات. وكان المالكي يحقد على المقدم عبدالحميد السراج رئيس شعبة
المخابرات إذ كان يعتقد أنه كان وراء تسريحه من الجيش في عهد الشيشكلي.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وبسبب
الجهود التي بذلها السراج مع باقي الكتل العسكرية تناسى المالكي تلك الإساءة.
وعاد
الصراع العقائدي بين القيادات العسكرية عندما اقترح العقيد عدنان المالكي تسريح
المقدم غسان جديد من أعضاء الحزب القومي من الجيش وصدر القرار في الرابع من نيسان
ابريل 1955م. وكان لهذا القرار وقع سيئ لدى الحزب القومي لأن غسان جديد من العناصر
العسكرية التي يعتمد عليها الحزب في الأزمات.
وفي الساعة الرابعة من مساء يوم الجمعة 22 نيسان
أبريل 1955 اغتيل العقيد المالكي أثناء رعايته لمباراة في كرة القدم بين فريق
"الجيش السوري" وفريق "سكة الحديد" في مصر.
وقام شوكت شقير رئيس الأركان
العامة على رأس وفد يمثل قيادة الجيش يرافقه الرائد عبدالحميد السراج
بزيارة منزل العقيد المالكي لتقديم التعازي لشقيقه رياض، الذي بادر رئيس الأركان
العامة بهجوم عنيف قائلاً: "أنت قتلت أخي عدنان". أي وجه التهمة لرئيس
أركان الجيش من دون أن يوضح الأمر.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ويبدو أن
عدنان المالكي ما أحب أن يحضر مباراة كرة القدم، وهي عادية من وجهة نظره، واعتذر
عن حضورها من الوسطاء.
ولجأ
هؤلاء إلى محمود رياض، السفير المصري في دمشق، قبل بدء المباراة، وفتح السفير
الهاتف وقال لشقيقة المالكي التي ردت على المكالمة أريد أن أتكلم مع العقيد
عدنان... فقالت له: أخي عدنان سافر إلى صيدا ولم يترك خبراً عن العودة. واليوم
جمعة، وهو أعطى لنفسه إجازة في هذا اليوم، للقاء خطيبته اللبنانية هناك.
وألح
السفير على الأمر وقال لشقيقة المالكي، قولي له: الرياضيون في انتظارك... فلا تخيب
رجاءهم بالحضور. فالمباراة بالنسبة لهم هامة. والحضور عمل قومي. ولا سيما انهم
مروا قبل قليل ووجدوا أن السيارة أمام الباب. إن مصر تحب أن تراك.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ (مذكرات رياض المالكي شقيق عدنان المالكي)
وفي يوم 26 تموز يوليو 1956 أعلن الرئيس جمال
عبدالناصر تأميم قناة السويس ووقفت الحكومة السورية إلى جانبه.
وعندما
وقع العدوان الثلاثي على مصر سافر الرئيس السوري شكري القوتلي إلى موسكو طالباً
وقوف الاتحاد السوفياتي بجانب مصر.
وهنا شعر
الرئيس عبدالناصر بضرورة توسيع نطاق نفوذه في المنطقة وبدأت الاتصالات بين القاهرة
ودمشق لقيام اتحاد بين البلدين. وعندما قدمت بعض الكتل العسكرية في الجيش السوري مذكرة للرئيس عبدالناصر تأييدا
لهذه الوحدة، ورفعتها أيضاً للرئيس القوتلي، اعتبرها القوتلي انقلاباً عسكرياً.
فأعلنت الوحدة رسمياً في اليوم الأول من شباط فبراير 1958. ولاحقت أجهزة المخابرات
السورية والمصرية تحركات العقيد غسان جديد في لبنان في ضوء الصلاحيات التي خولها
الرئيس عبدالناصر فاغتيل العقيد جديد.
هذه قصة
الانقلابات والتصفيات الحزبية العسكرية التي شهدتها سورية، فكانت وبالاً
عليها في وقت خرج الجيش السوري بعد الحرب الأولى عام 1948 مع اليهود مرفوع
الرأس.
أما
بالنسبة لجريمة اغتيال عدنان المالكي،أثبتت جميع
المعطيات انه للرائد أكرم ديري مدير الشرطة العسكرية دوراً في تخطيط وتنفيذ
اغتيال عدنان المالكي في 23 نيسان 1955. فهو الذي امر بترك صفين من الكراسي الشاغرة
وليس صفاً واحداً وراء المالكي. ووضع بين صفي الكراسي الشاغرة الوكيل أول منير
فتوحي، ليمنع الناس من الجلوس عليها. وهو من أطلق النار على المالكي من مسدس
عياره 7 ملم.
أما الرفيق يونس
عبد الرحيم، فهو ليس قاتلاً ولم ينتحر، بل كان في حالة الدفاع عن النفس حين أقدم الرائد
أكرم ديري قائد الشرطة العسكرية على إطلاق النار عليه، فأصابه برصاصة في أعلى ساقه
الأيسر، و على مقربة من جذعه، فأخرج مسدسه ليدافع عن نفسه، إلا أن المسدس روكب و
لم يطلق أي طلقة، و هنا تقدم الملازم أول عبد الكريم النحلاوي فأجهز على
يونس برصاصتين أصابته برأسه .وهو شهيد من شهداء الحركة القومية الاجتماعية، كما الشهيدين الرفيقين بديع مخلوف ومنعم
دبوسي اللذين اعدما في ساعة مبكرة من
صباح يوم الاثنين3 أيلول 1956 في قرية
المنصورة رمياً بالرصاص، على يد هيئة تنفيذ مؤلفة من المقدم بشير الطباع، عضو
المحكمة العسكرية والمقدم هشام العظم، آمر فوج الشرطة العسكرية،
والمقدم محمد الجراح النائب العام العسكري. وحضر عن ضباط الجبهة الرائد جاسم
علوان.
وما يؤكد ذلك انه وفي آخر مقابلة أجراها السيد أحمد منصور
على قناة الجزيرة مع السيد عبد الكريم النحلاوي، انكشفت فضيحة من فضائح
التحقيق و قانون الجنايات، حين أنكر النحلاوي مرافق شوكت شقير إفادته وقال: "أنه
لا يذكر أن أحداَ استدعاه إلى تحقيق أو شهادة في حادثة اغتيال المالكي، و مصرع
الرقيب أول يونس عبد الرحيم".
وقد حيكت خطة الاغتيال للتخلص من الحزب
السورب القومي الاجتماعي في الكيان الشامي وخصوصا بعد تنامي عدد العناصر العسكرية الموالية للحزب القومي السوري، وازدياد
خلاياه الحزبية الموجودة في الجيش، والتي قدرت قوتها بثلاثين ضابطاً، ومائة ضابط
صف، كان على رأسهم المقدم غسان جديد، ركيزة القوميين السوريين في الجيش والذي انتهى به الأمر إلى تسريحه ، وذلك خوفا من تنامي
امكانية الحزب العسكرية وتمكنه من القيام بانقلاب عسكري يطيح بحكم البعث القوتلي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق