الاثنين، 30 مايو 2016

"العقل العربي" سيزيف السوري

25 / 02/ 2014
(وفاة العقل العربي )، عن أي عرب، وعن أي عقل عربي، تتكلمون ؟!
محاولة للإجابة عن بعض أسئلة الأستاذ نارام في مقاله السابق..المقال طويل، لكنه ضروري، و متنه الأساسي هو جزء من دراسة مقارنة قديمة لذلك تجدونه دراسة أكثر منه مقال، و هو مبسط قدر الإمكان لأنه موجه لفئات مختلفة ، فاعذروني للإطالة، وشكراً لكل من سيقرأ، ويفكر، ويضيف، ويناقش بشكل بنّاء، لان ما كتبته ليس حقيقة مطلقة، وليس مقدساً.
مقدمة : يقول نيتشة: ( تريدنا الحكمة أن نكون شجعاناً لا نبالي بالمتاعب، تريدنا أشداء ، نتحدى بازدراء، الحكمة امرأة، والمرأة لا تحب إلا محارباً )، وما ينطبق على الحكمة برأيي ينطبق على الحقيقة، والمعرفة، و البحث العلمي أو أي نوع من أنواع البحث..
كما يقول أيضاً: (رجل المعرفة يجب أن يكون قادراً، ليس فقط على أن يحب أعداءه، بل أيضاً أن يكره أصدقاءه).
بالمناسبة، هذه ترجمتي الخاصة عن الانكليزية لهاتين المقولتين، و أذكر ذلك لأنني قرأت عدة ترجمات مختلفة لها، من حيث المفردات أو الصياغة أو المعنى، تتناسب مع ثقافة وعمق وشمول معرفة كل مترجم، وهذه الآلية ستلزمنا في بحثنا التالي.
نتيجة تجميد (العقل العربي) لعدة قرون، بسبب المحرمات و السلطة والدين السياسي...الخ، وعكوفه نتيجة ذلك على الاشتغال بأشياء كثيرة معظمها ليس بذي أهمية كبيرة (والنتائج تثبت ذلك وليس أنا)، و أيضاً بسبب فرض التسليم والنقل تحت طائلة التكفير أو حتى القتل، ضمرت في هذا العقل أمور أساسية، أهمها طريقة البحث العلمي الحقيقي، و الشك الديكارتي أو الأصح المعري، فالبحث العلمي يقتضي أن يتجرد الباحث من جميع المقدسات والمحرمات، ويتقبل النتائج حتى لو كانت تخالف رأيه و آيديولوجيته، و أن يسير مع الحقيقة التي تتبدى مع خطوات البحث، لا أن يلوي عنق الحقيقة لإجبارها على السير في الاتجاه الذي يريد ، أو يحب، أو ما تعوّد عليه وأصبح من المسلمات أو المقدسات.
أقول ذلك لأن الكثير مما سأذكره لاحقاً سيكون بتقديري ربما غريباً و صادماً، وربما سيهاجمني كثيرون و من أطراف وفئات مختلفة، لكنني لا يمكن أن أكون إلا مخلصاً للمعرفة، وللبحث والمقارنة، والاستقراء والاستنتاج ..الخ، هناك حقائق تظهر نتيجة تقاطع الجغرافيا والتاريخ و الفلسفة والرياضيات والفيزياء، و الأركيولوجي، و الأنثربولوجي، وتسلسل المعرفة عبر أنهار الزمن ، وهنا تبرز مهمة و مهارة الباحث في التقاطها، وتمييز الحقيقي من المزور، و المستمر من الطارئ، وكل ما عدا ذلك هو تدوين وكتابة، وليس بحث.
1 - من هم العرب الذين يتحدث عنهم ابن خلدون ؟
أبدأ بقول ذكره الأستاذ نارام لمن يسميه العرب رائد علم الاجتماع (مع أن سيرة حياته ليست عطرة) ابن خلدون ، الذي كتب عن هذا العقل المفقود بطريقة مواربة عندما كاد أن ينكره بقوله : ( إن العرب ليسوا أرباب صناعة وعمران بل هم أرباب غزو وترحل ولسان!! .. ) هذا ما قاله ابن خلدون في القرن الرابع عشر للميلاد ! حتى ذلك الحين على الأقل كان العرب كذلك إذن برأيه، فهل كان السوريون كذلك ؟ فلنر ولنبحث إن كان يتكلم عن السوريين.
لنعد قبل عصر ابن خلدون حوالي (1300 سنة إلى الوراء) ، لنستحضر مثالاً عن العمران، و هو أبولودور الدمشقي، المولود في دمشق، حوالي 60 ميلادية، ولنر هل ينطبق كلام ابن خلدون عليه ..
لقد عرفنا ماذا كتب ابن خلدون عن العرب، فما الذي كتبوه عن أبولودور؟
يقول "مورتمرويلر": «إن "أبولودور الدمشقي" الذي يكمن اسمه خلف أعظم المنجزات المعمارية في عهد "ترايانوس" "تراجان" يظل لغزاً من الألغاز.
ويذكر تاريخ "كمبردج": إن بعض العلماء يعتقدون بأن سوريا في مجال العمارة كانت متقدمة على "روما" بل كانت بالنسبة لها النموذج الذي احتذته، وأن سوريا تفوقت على "روما" في عبقريتها المبدعة وفي معارفها التقنية وفي مهارة عمالها ويفترض أن "أبولودور الدمشقي" قد اقتبس تصميمات المباني من سفح "الكوريناليس" عن موطنه الأصلي"».
كما جاء في موسوعة الفن القديم الإيطالية عن "أبولودور الدمشقي" مايلي ( :أبولودور الدمشقي" معمار من "دمشق" في سوريا ، عمل في "روما" في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي وبخاصة في عهد "تراجان"، كما كان المعمار الرسمي لهذا الامبراطور في مجالي الإنشاءات المدنية والعسكرية، وهو الشخصية الفنية الكبرى الوحيدة التي يمكن تمييزها في خضم جهلنا لأسماء مبدعي الفن في العصر الروماني).
فهل تحدث ابن خلدون عن هذا الشخص؟ طبعاً ذكرته كمثال للمقارنة في مجال العمران، مع الأخذ بالاعتبار أن روما في زمانه كانت أكبر وأقوى دولة في العالم، وآثارها المعمارية بما فيها إنجازات أبولودور، ما زالت تدهش العالم إلى الآن، بل تعتبر من التحف المعمارية العالمية.
سأجري مقارنة أخرى بسيطة توضح الفارق الحضاري ، ولتستنتجوا منها أنتم : كان العرب قبل الإسلام ( يسميها العرب أنفسهم بفترة الجاهلية) يقومون بوأد البنات، وجاء الإسلام ليمنع ويحرم ذلك ، إذن الجاهلية هي كل ما مر على الجزيرة العربية و العرب بما فيهم سوريا حتى بداية القرن السادس الميلادي ، الذي بُعث الإسلام بعد بدايته بقليل، و إذا كان السوريون عرباً وكانوا يعيشون هذه الجاهلية، فكيف كانت إحدى الامبراطورات السوريات تحكم روما ، أكبر و أقوى دولة في العالم آنذاك، أمريكا ذلك الزمان، و هي جوليا دومنا الحمصية، في سنة 211 ميلادية، أي قبل الإسلام بحوالي 400 سنة ، وهي زوجة امبراطور سوري ، ووالدة امبراطور سوري، فهل كانت تعيش في فترة الجاهلية العربية؟
هناك أيضاً من الملكات اللاتي كن يحكمن دولاً، زنوبيا التي حكمت تدمر سنة 267 ميلادية ، وسميراميس الآشورية التي حكمت في العراق في القرن الثامن قبل الميلاد، وحتشبسوت في مصر في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أظن هذا يكفي للمقارنة..
هناك مقارنات عديدة على أكثر من صعيد ومنها العسكري و التجاري..، لكن لن أطيل أكثر..
2 - الجهل المقدس:
في تلك المرحلة (الجاهلية عربياً) وحتى قبلها بآلاف الأعوام، يوجد أمثلة كثيرة عن سوريين خلدهم التاريخ (رغم كل محاولات الطمس والتزوير الممنهج) في مجالات الصناعة و الرياضيات والفلسفة و جميع مناحي الإبداع البشري، ولا داعي هنا لأن نكرر أن سوريا كانت رائدة الحضارة الإنسانية (حتى طرأ عليها طارئ ما أو مجموعة متغيرات، سوف تظهر في باقي المقال..).
إذن الاستنتاج الأولي هو أن العلامة ابن خلدون الرائد في علم الاجتماع، كان يتكلم عن العرب في مقولته، ولا يقصد السوريين ، و العراقيين (من ضمن السوريين )، ولا المصريين، كان يقصد بالعرب مرادفة هي ( البدو)، وهنا يتفق مع المقولة التي تفسر أصل كلمة عرب، فهم سكان العُربة أي الصحراء، و الصحراء الشرقية تحديداً، وهذا ليس ذماً أو قدحاً، فأصول جميع الشعوب مختلطة، لكن ما يهمنا من بقي على عقلية البداوة الصحراوية..حتى اليوم.
أيضاً، نقرأ هذا الاستنتاج بشكل آخر، يقصد ابن خلدون في مقولته أن أرباب الصناعة والعمران هم (غير عرب )، وبالتالي فهم وحسب تاريخ الإبداع الإنساني، هم الإغريق والرومان و المصريين و قبل الجميع ، العراقيين والسوريين...،
أما سكان الجزيرة، العرب، فهم لا يعرفون حسب قوله إلا : الغزو والترحال واللسان ( ويقصد به البلاغة) وهذه نكتة أخرى، تذكرني بقول الشاعر : نحن بني يعربٍ أعرب الناس لساناً .....الخ، بأي شيء يفتخر، هل يتوقع مثلاً أن يكون الانكليزي أو الفرنسي أعرب منه، أو منهم؟! هل فكرتم مرة بهذا البيت من الشعر بهذه الطريقة؟ و هل فكرتم بكلام ابن خلدون بهذه الطريقة؟
إذا كان الجواب بلا، فالسبب برأيي أن الكثير منا يقرأ بالتوازي وليس بالتقاطع والربط والمقارنة، يقرأ لأسماء معروفة ويقبل ما يقولون، بنفس طريقة النقل والتسليم التي ينتقدها، يهدم مقدسات ليقيم مقدسات أخرى بدلاً منها، لذلك يبقى يدور في حلقة مفرغة لا يستطيع الخروج منها..
أعود لمقال قديم لي هنا في صفحة الأستاذ نارام، و هو الثقب الأسود في دماغ الإنسان، وبه كنت أحاول تفسير ظاهرة الازدواجية في العقل، و مثال عنها كيف يمكن ان يكون إنسانٌ عالماً في الفيزياء مثلاً، لكنه يسمع و يطيع لشيخ شبه أمي حتى في الدين، وليس في العلم فقط ، ويقتنع ويسلّم بخرافات لا تقنع الطفل الصغير، هذا ببساطة هو الجهل المقدس..وسيظهر انعكاسه عدة مرات في باقي المقال.
3 – انتقال ما يسمى العقل العربي ، إلى سوريا :
لماذا هذا الإصرار على حصر الإصلاح في سوريا والعبور إلى مستقبل أفضل عبر تجربة ثبت فشلها وإفلاسها وهي العقل العربي، الذي بالأساس لم يكن كائناً سليماً ، بل كان حقبة تم إجبار الجميع عليها، فلماذا لا يتم التحدث عن بدائل، وهي موجودة..!؟
كيف نبحث عن شيء غير متأصّل لدينا في سوريا، ثم تكون المفاجأة أن لا نجده؟ هل هي معضلة فعلاً ، إنها فعلاً كما قال أستاذ نارام (رحلة شاقة بلا نهاية).. المقدمات الخاطئة مهما لوينا عنقها ، لا يمكن أن تعطي نتائج صحيحة..
ما يسمى العقل العربي كان موجوداً دائماً، لكن فقط لدى أصحابه، الذين انتقل قسم منهم بشكل دوري عبر التاريخ إلى الجنة الموعودة، العراق وسوريا ، ثم بعد ذلك إلى مناطق أخرى..، حيث الكلأ والماء والأنهار والبساتين والخضار والفواكه ... والتين والزيتون، ولم يكن يوجد أي من ذلك في جزيرتهم، كما كان تجارهم يأتون إلى سوريا للتجارة فتبهرهم باختلافها وعظمتها، يبدو أن ذلك بقي يشكل عقدةً لديهم، تستمر في دول الخليج حتى اليوم، وتفسر الكثير من تصرفاتهم ومواقفهم تجاه سوريا، الذين انتقلوا، منهم من اندمج في البيئة الجديدة لوجود اتفاق ما مع طبيعته ونفسيته، ومنهم من بقي محافظاً على بداوته، و ستظهر هذه البداوة عدة مرات خلال ال 1400 سنة التالية، و في بلدان متعددة، و آخرها في تلك الجنة التي يجب حرقها وتدميرها ، سوريا...لأنها....
تم تعويم مصطلح (عقل عربي) خلال مئات الأعوام، وباعتبار أن أكثر ما يفتخر به العرب ( الذين يتحدث عنهم ابن خلدون) هو الإسلام ( أو ربما هو الوحيد) ، فقد أصبح الخروج على هذا العقل كفراً، لأن معظم مكوناته إسلامية، و إذا عدنا إلى ما يهمنا هنا وهو سوريا، فإن هذا العقل المزدوج، بدأ يحل محل الفكر السوري بعد وصم الأخير بالوثنية و الشرك ، فما كان من مبدعي سوريا إلا أن ركبوا الموجة الجديدة ، و عمل بعضهم بالتقية، وانضم البعض لهذه الموجة بغاية الاستثمار والمنفعة، و أيضاً حتى لا تسحقهم، أو تحرقهم، كما فعلت لاحقاً بحرق كتب ابن رشد بعد أن تم تكفيره ، الذي عاد العرب وافتخروا به على أيامنا، بعد أن انتصر علمه وفلسفته، لكن ليس عن طريقهم، بل عن طريق الخواجة، مسبب عقدة الدونية، الغربي، الذي يستثمرهم كالأبقار وينظر إليهم ويعاملهم ككائنات اخرى، أي ازدواجية هذه، وأي سطحية، وأي انشطار بالوعي..؟!
هذا يفسر برأيي ما قاله الأستاذ نارام : (انتصر النص الديني على العقل)، وهذ كان طبيعياً ، ثم حل هذا (العقل العربي الديني) محل العقل السوري المبدع، لأن العرب هم سكان الجزيرة والبدو كما قال ابن خلدون، ولم يكن لديهم إلا النص الديني والشعر( وهذا ربما يكون موضوع بحث مستقل في المستقبل البعيد) ، ولم يكن لديهم التطور العلمي أو الفلسفي أو الفني المتراكم في سوريا الأصلية بما فيها العراق، أو في مصر، أو حتى في المغرب...العربي.
هذه ليست دعوة انفصالية، بقدر ما هي تصحيح و إعادة لأمر واقع، فما الذي يجمعني كسوري مع (السعودية)، أو مع جزر القمر، كثقافة، أو لا وعي جمعي متوارث، أو نفسية و عادات وتقاليد المختلف منها أكثر من المتشابه، إذا كانت اللغة ، فالإسلام مع انتشاره و توسعه ، مهّد وساهم في انتشار وهيمنة اللغة العربية التي هي بالأساس ، على عكس ما روجوا له، تطور لإحدى لهجات الآرامية ، لغتنا الأصلية و أم معظم اللغات الحية ( ما عدا شرق آسيا )، وباعتبار أن التاريخ يكتبه المنتصرون، فقد تم إعادة كتابة تاريخنا بنسخة عربية، و أصبح تاريخ العرب هو تاريخ السوريين..! و أصبحنا جاهليين، وتاريخنا الممتد إلى 12000 قبل الميلاد، أصبح بمعية العقل العربي، يمتد فقط إلى فترة الجاهلية، التي سبقت الإسلام، ببضعة أعوام، أو فلتكن مئات الأعوام، وهكذا رضي الله عنا...
من ناحية أخرى، ما يجمعنا فعلاً هو عالم عربي ، وليس أمة عربية، عالم عربي شبيه بالاتحاد الاوروبي، فيه أمم تتمايز عن بعضها، لكن يوجد عوامل مشتركة كاللغة والدين و تاريخ مشترك على الأقل منذ بداية الفترة الإسلامية، لا يمكن تجاهل هذه العوامل ، لكن هذه العوامل لا تكفي لتشكل (أمة)، وهي لم تنجح في ذلك طوال 1400 سنة، إلا بالسيف ولفترات قصيرة جداً..
تبقى مصلحة سوريا و استعادتها لهويتها وفكرها وثقافتها هي الأساس، عندها يمكن أن تبقى أمور الدين بين الإنسان وربه (كما كانت دائماً عبر التاريخ السوري من خلال فكر وثقافة متأصلين وقديمين، وهذا كان ضرورة وواقع في بعض جوانبه لأن سوريا كانت دائماً متنوعة )، والوطن لجميع أبنائه، ليس العرب منهم فقط، بل جميع الاثنيات ، فكيف يستقيم تسمية سوريا عربية وفيها اثنيات تعتبر نفسها غير عربية ، أو تم استبعادها بنتيجة تسمية عربية، مما دفع الكثير من أبناءها للهجرة، كالآشوريين مثلاً، ودفع بعضها الآخر للمطالبة والعمل على انفصال يحقق لها خصوصية وقومية خاصة، مثل الأكراد مثلاً..؟ عند تسمية سوري تزول كل هذه المعضلات أو المسائل.. و طالما (العقل العربي) مسروق و مخطوف كما قال الأستاذ نارام ، فهذه فرصتنا لنستعيد عقلنا الأساسي، وفكرنا الأساسي...
4 – العقل العربي، والدكتاتورية:
بعد أن انتصر النص الديني على العقل، و عمل من كان يعرف ذلك ولم يكن له حصة في السلطة بمبدأ التقية، حقق الأقوى أو المنتصر ما أراده، و عمل للحفاظ على السلطة واستمراريتها و توريثها، سيثور الكثير من المثقفين إذا قلنا أن العرب المسلمون هم من كرّسوا الدكتاتورية والتوريث، لكنْ لننظر كيف انتقلت السلطة بعد موت الرسول (ص)، وماذا أصبح مصير ( وأمرهم شورى بينهم)..!! منذ الخليفة أبو بكر و حتى الخلافة العثمانية ، لم يتم انتخاب أي حاكم او خليفة، وكثير منهم ماتوا قتلاً في لعبة السلطة والكرسي بين الأسر الحاكمة وضمن الأسرة نفسها، جميعهم حكموا بشكل دكتاتوري توليتاري، و غالباً وراثي، دكتاتورية أشد وطأةً و أدقّ رقبة من غيرها، لأنها تحكم باسم السماء، و لأن مثل هذه الأنظمة قد تكرس عبر مئات السنين، فقد تم استنساخها في أشكال الحكم ما بعد الاستقلال في معظم دول العالم العربي، وهنا يوجد ثقب آخر في العقل العربي، إذ أنه يثور الآن على حكم يعتبره دكتاتوري، بعد أن اخترع المصطلح والممارسة، وكرسها عبر قرون، معتبراً أن ما يجوز له لا يجوز لغيره، لأنه يحكم باسم السماء...
لقد قارنت في مقالي السابق ( أسبقية الديمقراطية السورية تاريخياً ) كيف كنا وكيف أصبحنا في شأن واحد فقط....وهو الديمقراطية، ولا حاجة لإعادة الكلام في هذا الشأن.
لماذا قامت ثورة على الدكتور نبيل فياض عندما انتقد ذكر الوليد والرشيد في النشيد السوري؟ سوريا أم العالم عبر الزمن، و فيها من العظماء من يطلق اسمه على أماكن مهمة في العالم الغربي، ثم نأتي لنضع اثنين من العرب ( بغض النظر عن الآراء المختلفة فيهما) في نشيدنا السوري الوطني ! (مع الإشارة انني أحترم نشيد وطني ولا أعترف بغيره) ، أليس هذا دليلاً على عدم قدرة الكثيرين ومنهم من يعتبرون أنفسهم مثقفين، على الخروج من هذه التركة التي تدعى عقل عربي وتفكير عربي..؟!! أليست هذه الحادثة نوع من الدكتاتورية الفكرية؟ أم لا نستطيع الخروج منها لأنها منقولة و أصبحت على مر الزمن مقدسة وغير خاضعة للانتقاد وحتى النقاش؟
5 – وجهة نظر: كيف وماذا نقرأ كحد أدنى، و كيف نفكر ؟
يقول أستاذ نارام :(ولكن من حقي أن أتساءل أسئلة عل من يعرف الجواب يدلني على الصواب)، كأنك بهذا السؤال تقول أنك تعرف ولا تريد أن تقول لأن الوقت المناسب لم يحن بعد، أو لوجود أولويات أهم، أو...لا أدري، فشخص باطلاعك و بمحاكمتك العقلية لا يمكن إلا أن يعرف كل ذلك..و الدليل هو نصيحتك في الجزء الأخير من مقالك الشامل.
ثم يقول (هل هناك عقل في الدنيا يهاجم بلدا رائعا وجوهرة في تاج العالم مثل سورية)، نعم يمكن، بعد كل ما ذكرناه، لأنها لا تزال مختلفة، ولأنها أم الحضارة، وصاحبة الفكر المختلف والمنفتح، و الفلسفة الرواقية الإنسانية من قبل الميلاد، لذلك ، ليس لها من عدو إلا ما يعاكس فكرها، وهو الفكر اليهودي التلمودي العنصري ، الذي عمل وما زال للقضاء على الفكر المخالف له، وهو السوري، و اجتمع معه بذات الهدف الفكر الذي يمثل انعكاساً عربياً له، و هو الوهابي ...
ثم يقول (أمتنا تريد الاحتلال العثماني أن يعود اليها..)، طالما النص الديني الذي انتصر على العقل موجود، فكيف نستغرب ذلك، أليست الخلافة هي الهدف، ألم تنته الخلافة الإسلامية في خطها النازل عند العثمانيين؟ أليس ما يطبقونه هو مجموعة إمارات، ستبقى متناحرة ، و بأحسن الأحوال سيتم إلحاقها جميعاً بخليفة واحد، وليكن تركي كما كان لمئات السنوات، طالما هو مسلم، لا يوجد في ذلك أي تناقض مع العقل الديني، وكأننا لا زلنا نعيش في ألف سنة على الأقل إلى الوراء..؟!
سؤال مشروع ربما كان غريباً نخبوياً وفي صيغة ترفّع وهي ليست غايتي، بل أسأله حتى يعود من يبحث عن المعرفة والحقيقة، و عن هويته، وعن سوريته، حتى يعود فيسأله لنفسه، وليفكر فيه بإخلاص: ماذا يقرأ المثقفون أو محبو الثقافة والمعرفة، ومنهم الكثيرون في هذه الصفحة أو غيرها، باعتبارهم شريحة واعية تمثل سوريا بأكملها وبكل تنوعها، ماذا وكيف يقرؤون؟
أمثلة بسيطة: كم شخصاً سمع بزينون الرواقي ، أو أبولودور الدمشقي، أو الامبراطورة جوليا دومنا (طبعاً أصبح اسمها فقط مشهوراً قبل سنوات قليلة ، لكن للأسف بسبب شركة النقل المعروفة) أو زوجها الامبراطور سيبتيموس سفيروس، أو ابنها الامبراطور كراكالا ؟ هل سمعوا بلوقيان أو لوسيان السميساطي، أو بالقديس يوحنا فم الذهب أو ذهبي الفم، أو مار أفرام السرياني، أو غيرهم الكثير، و إنجازات كل منهم في مجالات الإبداع الإنساني، علماً أنهم جميعاً كانوا يعيشون في الفترة التي يصفها العرب ( والسوريون ! بالتقادم) بالجاهلية ؟!!
هل جربوا المنهج الديكارتي مثلاً؟ أو هل يعرفون شيئاً عن ثلاثية الشك والريبة في القراءة والفهم والتحليل والمقارنة والاستنتاج والاستقراء.. والتي تتمثل مثلاًَ بالثلاثي: أبو العلاء المعري، ديكارت، هايزنبرغ ؟
هل قرؤوا جبران وميخائيل نعيمة ، وابن الفارض، ومحي الدين ابن عربي، والحلاج ..؟ هل قرؤوا رسائل أخوان الصفا، العلماء و الفلاسفة الذين كانوا يختبؤون بهذا الاسم حتى لا يتم قتلهم ( في عز الديمقراطية الإسلامية طبعاً) لينشروا معارفهم وليحافظوا بذلك على جزء من الفكر السوري، في الفلسفة والميتافيزيق والعلوم والرياضيات والفيزياء...، هل تعرفون لماذا كان مثل هؤلاء النخبة يختبئون ؟
في الجهة المقابلة، من لم يسمع بأبي جهل، أو الوليد، أو الرشيد، أو القعقاع، أو الزير، أو عنترة....، رغم أن كل هذه الأسماء ليست سورية، ولا تمثل التاريخ والتراث السوري...، أو من لم يسمع بأفلاطون وأرسطو و سقراط، والمسرح اليوناني، والأساطير اليونانية، والألعاب الأولمبية، وجميعها ذات منشأ سوري أو مأخوذة عنه؟
كم شخص يعرف أن الحرف الغربي الحالي المنسوب للانكليز، هو حرف أبجدي فينيقي آرامي سرياني في أصله، و أن الأرقام الغربية الحالية هي أرقامنا السورية؟ من بدل أحرفنا وأرقامنا وتاريخنا وفكرنا ومستقبلنا، ولماذا؟ ولماذا لا نعرف، أو لا نسعى للمعرفة على الأقل، ولماذا نسير في الدروب التي رسمها لنا ( من بدل كل ذلك ) فقط؟
لم يكفنا ذلك ، بل إن الغرب ساهم منذ عصور ويساهم حتى الآن في تشويه التاريخ السوري، لن أتحدث عن التاريخ فيلزمه مجلدات، لكن الأمثلة موجودة حتى في أفلام هوليوود السينمائية التي لا ينتبه الكثيرون منا لها، ثم ترسخ في لا وعيهم، ليتم استدعاؤها (وهم غافلون لا يعرفون) عند الحاجة، هل تظنون أن سلسلة أفلام هوليوود (هانيبعل..مصاص الدماء) وعمرها عشرات السنين و لا تزال مستمرة وتعاد ، بطولة أنتوني هوبكينز وغيره، هل تظنونها صدفة، أو بريئة ؟ أو تظنون تسمية إحدى سفن الإنقاذ في سلسلة أفلام (ماتريكس) باسم (نبوخذ نصر) كانت بلا معنى وبلا هدف..؟!!
وقد أصبح معروفاً نتيجة هذه الأزمة أن تسمية مشروع خط الغازالقطري الأمريكي باسم (نابوكو) وهو نفسه اسم نبوخذ نصر، و له علاقة بالتاريخ اليهودي وبالسبي البابلي، كرد عليه في أيامنا هذه .. هم لم ولن ينسوا، بينما نحن ما زلنا نتخبط ، ونعود لنفس الحلقة المفرغة ، الصراع كان وسيظل سوري – يهودي اسرائيلي، لم يكن يوماً عربي اسرائيلي ولن يكون، تذكرون ماذا فعلت مصر في حروبها مع اسرائيل.
هنا يجدر ذكر ملاحظة ، أن كلمة يهودي في التاريخ تسبق كلمة عربي، بينما تسبق الجميع كلمة سوريين بتسمياتهم المختلفة، وهذه أيضاً نقطة جديرة بالذكر و التركيز، فقد دأب المؤرخون على تسمية شعب سوريا بكل إثنياته باسم عاصمته، هل تظنون أن هناك فرقاً بين الكلدان والآشور والبابليين و الأكاديين إلا باسم عاصمة دولتهم في حينه، وأن المؤرخين قصدوا ذلك لأسباب تستنتجونها من هذا السرد؟
وهل تظنون أن هناك فرقاً بين الآراميين و الكنعانيين و الفينيقيين وغيرهم إلا العاصمة أو المرجعية أو المهنة حتى؟ وهل لا تعرفون أن الخطر عندما كان يهدد سوريا من جهتها الشمالية أو الجنوبية، كان الآشوريون الأشداء مثلاً يتمددون لصد و دحر هذا الخطر لأنهم يعرفون أنه يهددهم أيضاً نتيجة البيئة الطبيعية والتكامل الاقتصادي الاجتماعي، و أيضاً لأن دول المدن في الجزء الغربي من سوريا كانت عاجزة لوحدها عن صد هذا الخطر، فضلاً عن انشغالها بالتجارة والعمران..؟ اسم سوريا نفسه في أكثر الاحتمالات منطقية ً مشتق من آشوريا أو أسوريا، وتعلمون أن معنى كلمة آشوريين في الانكليزية هو أسّيريانز..
6 – ماذا عن منجزات الحضارة العربية ، بعد كل هذا ..؟
يقال الكثير عما قدمته الحضارة الإسلامية العربية للعالم، وهو كما سيتبين أدناه، لا يعدو كونها قدمت فقط الدعم المادي لأصحاب تلك المنجزات، و أمّن بعض الخلفاء مناخاً للترجمة والبحث العلمي، لكن الفكر الديني بقي مُسيطراً و مُحارباً ومُكفِّرا ً لهؤلاء العلماء و المبدعين في أغلب الأوقات، أما أصحاب المنجزات تلك، فستستغربون حتماً أن معظمهم غير عربي، طبعاً مع اعتبار علماء ومترجمي السريان غير عرب بما يتفق مع ما سبق ذكره في هذا المقال، كما تم تكفيرهم ، وحرق كتب بعضهم، وقتل بعضهم الآخر.، والأمثلة موجودة لمن يريد حتى لا نطيل أكثر..(سيتم وضعها في التعليقات إن رغبتم).
ونتيجة تحريم الموسيقى ( ما عدا الدف !) ، والرسم باعتباره تقليد للخالق، والنحت باعتباره ينتج أصناماً، ومحاربة العلم على أنه سحر وشعوذة...، فقد انصرف معظم المبدعين والكتاب إلى أعمال لا تظهر مواهبهم، فاكتفى الرسام والنحات بالزخرفة، و اكتفى معظم الكتاب بالكتابة عن الجنس وطرقه، وأسماء الأعضاء التناسلية عند الإنسان وعند جميع الكائنات وحتى عند البعوضة ! و طرق النكاح، والإباحية الجنسية، اقرؤوا التاريخ الحسي الغريزي ، من جواري وغلمان وقيان وطواشية ...حتى في مجالس الخلفاء اليومية، واضطر الكثير من الأدباء و المفكرين للبحث فقط في فقه الدين وفقه الحديث...و أسهم كل ذلك في تكوين ما تم تسميته (بالعقل العربي)، وهذا ما يزال سائداً في بعض الدول العربية، فبينما ينهمك علماء الدول (الكافرة) في الغرب بأبحاث متقدمة جداً، حتى وصلت إلى (خلق) خلايا حية، يعكف بعض الباحثين العرب على إعداد رسائل دكتوراه في أشياء مضحكة مبكية، خاصةً في أكبر الجامعات السعودية، وقد انتشرت عدة حالات مقارنة على الانترنت منذ فترة قريبة، لذلك لن أتناولها هنا..
وجه آخر قبيح لهذا العقل الديني المتطرف، هو ما تم تدميره منذ الفتوحات الإسلامية، من آثار و أوابد من قبل الجهلة أو المتطرفين، بدعوى تحطيم الأصنام، والذي يمثل تدمير لجزء مهم من تراث و إبداع البشرية، هل اختلفت تصرفات أولئك الفاتحين عن ما حدث من تدمير لتماثيل بوذا في أفغانستان منذ عدة سنوات مثلاً؟ و ما تم سرقته وتدميره من آثار في العراق منذ بدء غزوه؟ ما تم ويتم تدميره في سوريا لنفس الهدف؟
ونعيد أيضاً تخريباً لا يقل فداحةً و مرارةً، من تكفير الفارابي إلى صلب الحلاج ، إلى سفك دم ابن حيان إلى شنق أحمد بن نصر إلى مطاردة ابن الفارض إلى حبس المعري إلى نفي ابن المنمر إلى حرق كتب الغزالي وابن رشد والأصفهاني....
7- خاتمة
يقول البعض أن بعض السوريين أيضاً وليس فقط العرب يشاركون في تخريب بلدنا وذبح أبنائنا... فلماذا أنتم ضد العرب ؟
من يقول ذلك يغفل شيئاً مهماً، ليست العلة بالعرب كجنسية أو عرق، بل يوجد عرب كثيرون اندمجوا عبر التاريخ بالنسيج السوري وأصبحوا مكوناً فاعلاً ورئيساً من مكوناته، أصبحوا نتيجة ذلك سوريين، ولم يعودوا عرباً، و هناك للأسف قسم منهم ما زال يحافظ على فكره الصحراوي، و قد أظهروه الآن، و ساهم بذلك تقصير ثقافي و تنموي من الجميع حتى الدولة ، العلة بالفكر الصحراوي الذي أحضره العرب معهم في آخر (فتح)، وهو الإسلامي السياسي، و العقل الديني المتطرف، وجميع (المجاهدين) و المسلحين من العرب وغير العرب هم مسلمون متطرفون، أو متأثرون بهم، أو مرتزقة، أو أغبياء أوحاقدين أوفاشلين، أو تعلموا منهم أساليب المنفعة أو اضطروا إلى التقية ، وللحقيقة يوجد أيضاً بعض المظلومين الذين أعماهم حقدهم عن رؤية الصورة الحقيقية لما يحدث ، لقد محا هذا (الفتح) الفكر السوري المنفتح الإنساني، الذي كان يبحث عن التجارة والعمران والسلام والإنسانية والثقافة و الفلسفة لزوم هذا التوسع في أحد أوجهها، كما محا تاريخ سوريا القديم (الوثني - وهوغير ذلك) وجيّر بعضه لصالحه، و فرض علينا تاريخه هو..
تشخيص العلة أول خطوة في حلها، أليس كذلك أصدقائي؟! ثم ماذا يبقى من العروبة إذا عزلنا الإسلام السياسي عنها، أليس هو الرسالة الخالدة عند معظم العرب؟ وهل يمكن فصل الإسلام السياسي عن الإسلام كدين (محبة وتسامح...) ؟
لماذا ، بعد كل ما ذكرناه، عندما يفكر أحد أن يكتب عن تاريخنا، كسوريين، يهرع إلى فترة الجاهلية، التي كانت تعيشها الجزيرة العربية قبل الإسلام كما يقول العرب والمسلمون وليس أحد غيرهم، هل كانت سوريا أو العراق أو مصر كأمثلة تعيش في تلك الجاهلية فعلاً ؟ هل يصدق طفل هذا الكلام؟ هل هناك من قرأ التاريخ والأدب والفلسفة و الرياضيات و العلوم والعمران في تلك الفترة فعلاً في سوريا بشكل خاص؟ أم أن القراءات اقتصرت على تاريخ الجزيرة العربية و أصبح تاريخنا كلنا وابتلع ماضينا كالثقب الأسود؟ ومن يومها ونحن ندور في فلكه، في حلقة مفرغة لا أعتقد بإمكانية الخروج منها طالما ما زلنا نحاول نفخ تلك القربة المقطوعة البالية التي يسمونها، عقل عربي..
ويمكن أن تكون رحلة الكثير من الباحثين ، مثالاً لضياع وقت و جهد و إمكانيات كبيرة في غير طريقها، في البحث عن الفردوس المفقود، او إلدورادو (الذهب بالاسبانية)، أو رحلة جلجامش في البحث عن الخلود، ولقائه الحكيم أوتنابشتيم، الذي أخذته الرواية الدينية لتسميه نوح، بدون تغيير أي تفصيل، إلا الاسم..، صحيح أن رحلتهم وجهودهم تلك لم تذهب سدى لأنهم وفروا علينا سلوك طريق طويل وشائك ولن يؤدي إلى شيء، لكن كان يمكن لتلك الإمكانيات أيضاً أن تكون مثمرة ربما حتى على مستوى الإنسانية و الحضارة البشرية، لو أنها وظفت في بحوث أخرى..
حتى متى نبقى نختبئ خلف إصبعنا، خشية التكفير، أو لوجود أولويات، أو لعدم حدوث فتنة ...
كيف يمكن أن نستعيد هويتنا ، ونعرف من نحن، ولماذا يحدث لنا كل هذا، إذا لم نطلع على فكرنا وثقافتنا عبر تاريخنا الطويل، ونستعيده، و نعمل عليه، ونقوم بتدريسه، أخشى إن لم نفعل ذلك، أن لا تتحقق مقولة الأستاذ نارام (فمن يصنع النصر .. يصنع العقل الجديد ..)، فقد مرت حوادث كثيرة في التاريخ، قاتل فيها كثيرون وضحوا واستشهد منهم من استشهد، ثم اتى أصحاب ذلك العقل فاستثمروا كل تلك التضحيات، ولم يتغير شيء..فقط استشهد كثير من الجنود الشجعان، و الفقراء، و العلماء، و الأخيار، والمميزين..