عهداً سعاده
كتبها سرجون القنطار
"في ميلادك الثالث بعد المئة، نطفىء لك، سعاده، شمعة حمراء نحتار أين نزرعها أفي بغداد أو جنين أم في عمان أو بيروت أو ربما في ضهور الشوير، ولكن الأهم أننا سنطفئها وأنت ما زلت حياً بيننا تتكلم وتخطب وتوجه وتصرخ وتأكل وتكتب وتدمع وتضرب يمينك تحية للشمس في كل صباح.. وإنني لا أتكلم عن وجودك بالمعنى الرمزي كأي إبن يكتب في ذكرى أبيه أو كجندي يضع رصاصة على قبر قائده أو كأي حي يقارب الموت بأية طريقة، بل إنني أخاطبك مع كل رفقائي وأنت حاضر امام استشهاديي فلسطين تنفض الغبار عن قنابلهم لتلاقي المجد وهي تعكس على جبهتها ابتسامة ثغورهم، نخاطبك وأنت حاضر أمام قناص بغداد «تزيّت» له البندقية، نخاطبك وأنت حاضر في مدارس الاسكندرون تعلّم الاطفال لغة بلادهم وأنت حاضر في الجولان تحفر الخنادق وأنت حاضر في الاحواز تنقب عن نفط الامة، نخاطبك وأنت حاضر في عمان تخطب بجمعيات مناهضة السلم والتطبيع ونخاطبك وأنت حاضر في ساحة شهداء بيروت تنظم صفوف القوميين في تظاهرة تفصل بين «الأحزاب» الطائفية العفنة وتدعو لقيام النظام القومي الاجتماعي... نخاطبك وأنت حاضراً تتأمل سماء سوريا من فراشك الدافئ المشلوح على الجهة الشرقية من العرزال، نخاطبك وأنت حاضر تنقد فلسفة الإغريق وتحلل موسيقى بيتهوفن وتشعر بالقبلة بين حبيبين وتمشي على المذبح مع عروسين وتربي لهم زهرة وشبلين... نخاطبك وأنت حاضر تولد بعقلك وحبرك المدرحية وفلسفة الإنسان - المجتمع والقواعد الأساسية للاقتصاد القومي ورتب الجيش القومي والدين الجديد المرفوع من الأرض الى السماء بزوبعة حمراء، وأنت حاضر تقتل العيش والموت والتعصب والذل والجمود والتقوقع النفسي والميعان الفكري وتقيم الحياة والعصبية والعز والصيرورة والانفتاح والتجذر.. نخاطبك وأنت حاضر تنفض الغبار عن حدود سوريا وتاريخها... نخاطبك وأنت حاضر تصنع مستقبلها وتولد أبناءها في عالم جديد اسمه فقط .. «الحياة».
في ميلادك الثالث بعد المئة، نقول لك عذراً حضرة الزعيم على الانكفاء والصمت والخنوع والتدمير الذاتي. عذراً سعادة على كل موقف كان بإمكاننا الصراخ فيه فصمتنا وكان بإمكاننا الوقوف فيه فانبطحنا على وجوهنا. عذراً لأننا أحيانا لم نكن أقوى من المصير في المواجهة فرضخنا. عذراً لأننا منذ التأسيس أدخلنا على حركتنا أشباه أحياء وأعداء ومنحرفين. عذراً لأننا منذ فترة قضينا على مقاومتنا ولم نعد نقاتل ولا نواجه ولم نعد أحراراً ولم نجعل بعد من امتنا أمةً حرة. عذراً لأن قاعاتنا ضجّت بوجوهنا الصفراء وبجباهنا التي جفت منها دماءنا الحمراء. عذراً لأن آذاننا أدمنت الكلمات وسواعدنا عاطلة عن العمل ولأننا نبكي دموعاً على تاريخنا، ولأننا احترفنا مناسبات تخليد ذكرى شهدائنا ولم نعد نضيف على القافلة أحداً. عذراً لأننا سمعناك تخاطب، كما علّمونا دائما، أجيالاً لم تولد بعد وعذراً لأننا انفضضنا عن العمل على ولادتها.
عذراً سعادة لأننا تقاتلنا وتقّتلنا وتحاربنا وتخاصمنا وتعادينا واحترفنا الأقاويل والشائعات والمكائد والدسائس. عذراً لأننا لا نتحاور ولا نسمع ولا نحترم ولا نقدر بعضنا البعض لا بل عذراً لأن بعضنا يقتل إمكانات وإبداعات وطاقات عظيمة في هذا المجتمع العظيم، وعذراً لأن هذا البعض أتقن لعبة الأمم الغبية التي تفعل برجالاتها ما تفعله الأطفال بلعبها تحطمها ثم تبكي طالبة غيرها. عذراً لأننا أجّلنا إعلان قيام الدولة القومية وحرية أمتنا، حرية الحياة والحق والجمال.. عذراً لأننا لم نقاتل بالقدر الكافي ثقافة الممنوع والمحظور والجنوح ولأننا نفتح أعيننا على صراخ فلسطين ودماء العراق وهدير الاحواز وتخبط بيروت، ونغمضها على فخذي عاهرات تغني وترقص على مسارح مدننا الثقافية.
عذراً لأننا نزعنا كوفيتنا واستبدلناها بـ «شال» فرنس ناعم الملمس ولأننا لم نعد ندبك على سطوح مشغرة بل أصبحنا نرقص دائما في ملاهي بيروت. عذراً لأننا شربنا حتى التخمة من ينابيع صنين ولم ندع نهر الأردن يشرب منذ زمن قطرة واحدة من دمائنا. عذرا لأننا لم نربط جبهات الأمة المشتعلة من الشرق الى الغرب بنيراننا.. عذرا لأننا لم نكسر حتى الآن حداً واحداً من حدود سايكس - بيكو.
عذراً سعادة لأننا في زمن التأليه عاملناك كإله وكصنم.. عذراً سعادة لأننا في زمن الدمار أصبحنا نعاملك كمطية وكرجل عادي وكزعيم مرحلي. عذراً زعيمي لأننا لم نفهمك كما أردت ولم نمارسك كما أردت ولم نعد نفتدي كما أردت.
عذراً.. كفى اعتذاراً لا بل سنقول مكان العذر عهداً.. نعم عهداً حضرة الزعيم أننا وبرغم كل مآسينا وجروحنا ومصائبنا سنبقى أحياء وأننا سنقاوم أبداً حتى خلود بلادنا.. عهداً سعادة أننا سنعود أوردة الحياة وشرايين القوة في جسد الأمة الحي الذي ينتج علماً وفكرا وغلالا وصناعة، عهداً سعادة أننا سنبقى أبناء الحرية ورجال الشهادة وملاحم البطولة وأشبال الأمل وأسود الليل ونسور مسكفعام.. عهداً سعادة أننا سنجعلك تنظرنا من بين رموشك المليئة رجولة ستنظرنا ولو طال الزمن صفوفاً بديعة النظام ورجالا متمنطقين بمناطق سوداء، صدورهم رصاصية، معصوبي الجباه بعصبة حمراء تلمع فوق شموخها حراب مسنونة بأسنان الشهداء القوميين الذين ينتظروننا معك كي نمشي إيقاع الصراع.. عهدا أننا سنمشيه ولو قطعت أرجلنا سنمشيه على أفواهنا على أظافرنا، سنمشي هذا الإيقاع بإيقاع واحد وأقدامنا تزلزل الأرض وترسل أمواج فروسية الثوار القوميين من ضفاف تراب العرزال حتى قعر شواطئ حيفا وتماثيل بابل..
عهدا سعادة يا فتى آذار ورجل تشرين وفداء تموز. عهدا يا عهد التاريخ على خلود سوريا، يا حياة الحياة ويا نور النور.. عهدا سعادة يا جبين الأمة.. يا قاتل الموت.. عهداً يا تموز سنكون تموزيين يقدّسونه ثورة ويرتقون بدمائه.. عهدا يا آذار سنحيا سوريين قوميين اجتماعيين رغم أنف القدر وسنكون للمصير مصيراً وللزلزل زلزالاً وللأزل أزلاً.. عهدا يا تشرين اننا سنطعن ببسمتك مؤامرة قتل الحزب السوري القومي الاجتماعي.. عهدا يا سعادة أننا سنطعنها بركتبك كما هي طعنت حصى الرملة البيضاء، سنطعنها بلسانك وهو يهتف للحياة على جلادي التاريخ أنا أموت أما حزبي فباقٍ...
عهدا سعادة سيبقى فينا من يرفع الزوبعة دائما على سارية وجدانه ومن يحفرها في صخور دمه حتى تخلد للأبد في سماء سوريا وفي دستور الكون..
عهدا حضرة الزعيم سنُسمِع العالم كله كما أسمعته يوما: بهذا الايمان نحن من نحن وبهذا الايمان نحن ما سنكون، وأنتم تعرفون ما سنكون.. وبما نحن والى ما سنكون سيظل هتافنا يدوي في العالم لتحيا سوريا... ولتحيا يا حضرة الزعيم وليحيا عهدنا الفدائي لك.