أنا مع محاكمة المدعو أسعد حردان وشركائه بالتهم والجرائم التالية:
1- تزعم عصابة مسلحة مرتبطة بجهاز غازي كنعان المخابراتي وتنفيذ أجندة عبدالحليم خدام، حكمت الشهابي وكنعان.
2- إغتيال عميد الدفاع في منزله بجديتا ب 14 رصاصة عن بعد 3 أمتار.
3- احتلال بعض مكاتب الحزب وثكناته ومواقعه العسكرية غدرا، مستفيدين من الدعم العسكري واﻷمني المطلق الذي وفره لعصابة حردان المدعو غازي كنعان.
3- اعتقال عدد من المسؤولين الحزبيين في جهاز عمدة الدفاع ومنفذيتي زحلة والمتن الشمالي.
4- الاستيلاء على معظم سلاح الحزب ومقدراته المادية وأوراقه الرسمية في المواقع والمراكز التي احتلوها.
5- سرقة الشنطتين الشخصيتين لعميد الدفاع وما فيها من أوراق حزبية وشخصية ومسدس وقطعتين ذهب لابنته.
6- كشف أمن الحزب في كافة المناطق اللبنانية وتعريض القوميين الاجتماعيين للاقتتال والانقسام الحاد.
7- ضرب وحدة الروح بين القوميين الاجتماعيين.
8- ضرب معنويات الحزب ودوره في المقاومة الوطنية.
9- تفكيك مخيم الاستشهاديين ورهن مشروع اﻷجساد المتفجرة في عهدة جهاز غازي كنعان.
10- تحويل عدد من مقاتلي الحزب إلى وظيفة "قاتل مأجور".
11- تنظيم هجوم عسكري وأمني غادر لاحتلال مواقع الحزب في الكورة عام 1987 بدعم عسكري ولوجستي كبيرين وفرهما غازي كنعان وجهازه.
12- تصفية الشهيد النقيب إيلي الجقل بطريقة "داعشية" بعد اعتقاله غدرا داخل ثكنة فيع وهو بثياب النوم.
13- قتل الرفيقين الشهيدين عاطف خضر ونزار حيدر خلال الهجوم الغادر على مواقع الحزب العسكرية في الكورة.
14- اغتيال الرفيق الشهيد غسان البزال في البقاع.
15- إغتيال اﻷمين حبيب كيروز في بيروت، وهنا حتى أكون دقيقا ومنصفا ﻻ أستطيع تأكيد مسؤولية حردان المباشرة عن هذا الاغتيال الغادر، فلا دليل حسي لدينا على ذلك. ولكنه يتحمل المسؤولية عن هذا العمل الجبان والغادر كونه كشف أمن الحزب على مصراعيه.
16- خطف عميد العمل اﻷمين توفيق الصفدي وتصفيته بعد ساعات في بيروت بأقبح عملية "داعشية" في تلك المرحلة.
17- محاولة اغتيال غادرة للرفيق أنطون العلم وإصابته بعدة رصاصات قاتلة أنقذته منها العناية اﻹلهية.
18- محاولة اغتيال غادرة استهدفت اﻷمين إيلي معلوف وأردته جريحا.
19- محاولة اغتيال اﻷمين داود باز.
20- محاولة اغتيال اﻷمين مفضل علوه.
21- اغتيال اﻷمين الشهيد خليل فارس.
22- اغتيال الرفيق الشهيد رغدان فارس.
23- اغتيال الرفيق الشهيد محمد العويك.
24- اغتيال الرفيق الشهيد عفيف مسلماني.
25- المسؤولية المعنوية عن اغتيال الرفيق سمير جابر الذي يتحمل مسؤولية تنفيذها الرفيق بطرس الهق بعد أن حول حردان صفوف الحزب إلى فرق مستنفرة ومتقاتلة.
26- اغتيال مسؤول في الحزب الاشتراكي من آل ذبيان والتسبب بردة فعل عبثية أدت إلى تصفية عدد من المقاتلين القوميين الاجتماعيين.
27- زج قوات من القوميين الاجتماعيين بمعارك جانبية عبثية ضد حزب الله في إقليم التفاح وغيره.
28- تحرير عدد من العملاء اﻹسرائيليين واﻹنعزاليين من سجون الحزب مقابل مبالغ مالية، وبينهم شخص من آل ربابي مقرب من أمين الجميل اعتقل لمبادلته بتحرير اﻷمين الرمز حبيب الشرتوني.
29- سرقة أموال الحزب وبيع أسلحة ومحروقات للحزب ووضعها في حسابه الخاص.
30- الاشتراك في مافيا السلطة اللبنانية بعد اتفاق الطائف وسلب أموال الدولة والشعب من خلال المحاصصة الطائفية والميليشياوية.
31- تغطية عدد من العملاء اﻹسرائيليين خصوصا في منطقة مرجعيون حاصبيا واعفائهم من العقاب مقابل مبالغ مالية كبيرة.
32- ضرب الحركة النقابية العمالية في لبنان خلال توليه وزارة العمل.
وأعتقد أنه يمكن لغيري إضافة الكثير من التهم الجرمية الشائنة بحق المدعو أسعد حردان وعصابته المباشرة، حيث تسعفهم الذاكرة ويملكون اﻷدلة والبراهين الحسية.
عذرا على اﻹطالة ولتحيى سورية وليحيى سعادة
الأربعاء، 31 أغسطس 2016
جرائم حردان الموصوفة
الثلاثاء، 30 أغسطس 2016
العروبة الوهمية والعروبة الواقعية
بقلم الرفيق شحاده الغاوي
ردا على الأستاذ معن بشور
وعروبته الحوارية الجديدة
دعونا ننظر الى مقالة الأستاذ بشور المنشورة في جريدة البناء بإيجابية . من جهتي لقد قرأتها بتمعن وأعتقد أنني فهمتها مما يؤهلني للرد عليها مستجيبا لدعوة الحوار ، وأريد أن أدخل رأسا في صلب الموضوع وأناقش الأستاذ بشور في عروبته الحوارية الجديدة .
واضح أن الكاتب يفتش عن صفة جديدة للعروبة القديمة فوجد صفة "الحوارية" وأضافها لصفات الحضارية و النهضوية و المؤمنة و الجامعة و الديموقراطية و التقدمية ، وهذه صفات قديمة ، وهي صفات حلوة و جميلة و ممتازة ، والكاتب يرى أن يضيف اليوم صفة جديدة "يطل من خلالها" على كل الأوصاف السابقة وتكون ضرورية لتأكيد الصفات السابقة التي لا يشك هو أنها صفات صحيحة ودقيقة .
هذه كانت ، بإختصار شديد ، الأطروحة أو الغاية أو النتيجة الأخيرة من مقالة الأستاذ بشور . ولا بد لنا في البداية من القول أن العروبة التي يصفها الكاتب ويتكلم عنها هي عروبة القومية العربية و الأمة العربية الأسلامية و الوطن العربي من المحيط الاطلسي الى المحيط الهندي ، وهذه هي بالضبط العروبة التي وصفها سعاده بالعروبة المفلسة و الوهمية والإتكالية و الممخرقة و الخيالية وغير العلمية وغير الواقعية وقال عنها أنها مرض نفسي يشوه العقل و المنطق و الإدراك السليم و تغرر بالشباب السوري و تصرفه عن طلب الحقيقة بالسير وراء السراب و الأوهام ، و التي تريد أن تفرق ما جعلته الطبيعة واحدا لتجمع ما خلقته الطبيعة متفرقا ، و أنها تعويض و بدل عن حبوط الدعوة للجامعة الدينية السياسية الشاملة .
و نافل القول أن سعاده قد دعى لعروبة علمية واقعية صحيحة هي عروبة العالم العربي اللسان الذي يجب أن يشكل جبهة قوية تكون سدا منيعا في وجه المطامع الأجنبية وقوة يكون لها وزن في إقرار المسائل السياسية الإنترنسيونية ، وجعل السعي لهذه الدعوة غاية الحزب السياسية من الوجهة الخارجية .
إن صراع المفاهيم بين العروبة الوهمية ، عروبة القومية العربية و الأمة العربية و الوطن العربي ، التي يتبناها بشور ، وعروبة سعادة الواقعية العلمية الصحيحة ، هو صراع قديم سنعيد هنا بإيجاز كبير الإضاءة على أفكار رئيسة محددة منه ، بشكل حوار وليس بشكل صراع ، هذا الحوار ، وهو حوار مستجد أراده الكاتب أن يكون صفة جديدة للعروبة القديمة ، هو في الحقيقة ميزة الناس المتمدنين المتحضرين في كل مكان و زمان و هو ليس ميزة أو صفة تتميز و توصف بها جماعة عقائدية معينة و تنفرد بها . و إذا كان الأستاذ بشور إكتشف اليوم فضيلة الحوار و أرادها أن تكون "وصفا جديدا للعروبة" ، حسب تعبيره ، فبرأينا أنه إكتشاف جيد و إن كان متأخرا كثيرا ، و نحن سنجاريه فيه . يقول بشور نقلا عن الإمام الشافعي أن الحوار هو الذي يجعلك تعتبر رأيك صواب يحتمل الخطأ و رأي غيرك خطأ يحتمل الصواب . نحن نوافق على أن هذا القول ينطبق فقط على الذين هم غير متأكدين وغير واثقين من عقيدتهم لأن عقيدتهم غير مؤسسة على وقائع و حقائق من العلوم بشكل عام وعلم الإجتماع بشكل خاص ، أما نحن فإننا سنعتمد على استعداد الكاتب للقبول بأن عقيدته تحتمل الخطأ و سنبين له أن ميزات و صفات "الحضارية و النهضوية و الديموقراطية و التقدمية و الجامعة" هي مجرد أدوات تجميل لعروبة دينية و عنصرية و رجعية ، وبرهانا على ذلك سنثبت و نورد هنا رأي وأقوال عدد من أقطاب العروبة التي يتبناها بشور .
نبدأ بالأستاذ المرحوم ميشال عفلق الذي تأخذ العروبة معه صفتها الدينية بشكل بارز و نافر جدا و لا تكتمل إلا باعتناق المسيحيين للإسلام و اعتبارهم له "ثقافة قومية" ، بالإضافة الى صفة العنصرية و الأصل العنصري للعرب و لغتهم العربية . عفلق يقول ان "العروبة واقع بديهي وليس بحاجة للنقاش" فيقفل الباب بذلك على الحوار المستجد الذي يريده بشور اليوم صفة جديدة للعروبة الوهمية . و عفلق لا يفوته أبدا أن يصف عروبته بانها حضارية وغير عنصرية وغير دينية، و هو يضيف اليها صفة فات الأستاذ بشور أن يذكرها و هي صفة "التطورية" . يقول عفلق في مقالة عنوانها "القومية العربية والنظرية القومية" كتبها سنة 1957 ما يلي : "أن القومية العربية لدى البعث هي واقع بديهي يفرض نفسه دون حاجة لنقاش أو نضال ، أما مجال الإختلاف و ضرورة النضال فهما في محتوى هذه القومية . هذا المحتوى المتطور الذي يحتاج في كل مرحلة من مراحله نظرية قومية تلائمه ، و لهذا لا موجب لأن نناقش في أننا عرب أم لا ، لكن يجب أن نختار وأن نجدد مضمون العروبة في المرحلة الحاضرة ... العرب اليوم لا يريدون أن تكون قوميتهم دينية ... و العرب لا يريدون أن تكون قوميتهم عنصرية فقد جربوا ما معنى العنصرية و جربوا ما معنى الظلم" . هذا ما كتبه عفلق سنة 57 ، أما ما كتبه سنة 82 و بدلا من أن تصبح قوميته أكثر تطورا و أكثر ملاءمة فأنه يعود و يبوح بما يزيل عنها الأدوات التجميلية و يفصح عن حقيقتها الرجعية التي لا تتطور ولا تتلاءم مع التطور ولا تغادر أساسها الديني و العنصري ويقول : "و عندما أقول عروبة تعرفون أنني أقول الإسلام أيضا ، لا بل الإسلام أولا ، العروبة وجدت قبل الإسلام و لكن الإسلام هو الذي أنضج عروبتنا و هو الذي أوصلها الى الكمال و هو الذي أوصلها الى العظمة و الخلود ، هو الذي جعل من القبائل العربية أمة عربية عظيمة ، أمة عربية حضارية , فالإسلام كان و هو الآن و سيبقى روح العروبة ." ( عن كتاب شاكر الجوهري- قصة و خفايا إسلام عفلق2007) .
و عفلق يقول في نفس المصدر أيضا داعيا مواطنيه المسيحيين الى إعتناق الاسلام و التشبع به لأنه لهم ثقافة قومية ما يلي : "و سوف يعرف المسيحيون العرب عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة و يسترجعون طبعها الاصيل ، أن الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها و يحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم" . هذه هي العروبة الحضارية التي لا تكتمل إلا بدعوة الناس لتغيير دينهم و إعتناق الإسلام ثقافة قومية لهم . وأن هذه النصوص تبين ايضا ، و بوضوح ، أن العروبة الدينية و القومية الدينية لم تغادر أساسها الذي هو العنصر العربي قبل الإسلام حيث أن القبائل العربية هي ، وليس غيرها ، التي جعل منها الإسلام أمة عظيمة وحضارية ... و غير دينية ! .
هذا عن عروبة عفلق التي لا يشك بشور ابدا "بصحة و دقة" صفاتها ، حسب تعبيره ، فماذا عن عروبة الأرسوزي ؟ الأرسوزي لقب بفيلسوف القومية العربية و عروبته تمتاز بوجهي الأصل العنصري العربي و اللغة العربية و تحاول ألا تقيم للدين دورا مباشرا . إنه صاحب نظرية الأصل العرقي السامي- العربي للسوريين و هو يفهم من كلمة عرب ما يعني السلالة العربية السامية التي مصدرها الجزيرة العربية ، حتى انه يذهب أكثر من ذلك ويعتبر اليهود ، كونهم ساميين ، عربا في الأصل ويجب أن يعودوا الى أصلهم العربي و يدعو للتحالف "الحضاري" بين العرب و اليهود على هذا الأساس . أن العنصر و الأصل العربي هو اكثر ما يميز عروبته الوهمية رغم أنه يعطي للغة العربية أيضا دورا مميزا جدا في نشوء وتحديد القومية ، مثله مثل الحصري ، أنه يقول مثلا : " أن اللغة العربية هي سر عبقرية الأمة العربية ... وهي مفتاح حل مشاكل الأمة العربية و هي القادرة على بعثها من جديد .( اللسان العربي صفحة 63) .
لسنا هنا في معرض مناقشة الأرسوزي بل بشور ، ولكننا نقصد أن ندل بشور على مصادر عروبته الوهمية ونورد نصوصا لأقطابها تعبر عن الأساس العنصري والديني واللغوي لها ، في وقت أنه " لو جعلت العالم كله دينا واحدا و لغة واحدة لما جعلته أمة واحدة" (سعاده) فالأمة واقع إجتماعي طبيعي- دورة حياة إجتماعية إقتصادية عمرانية واحدة ، أي مجتمع واحد ، وتجد أساسها قبل أي شيء آخر في بيئة طبيعية واحدة ذات حدود ، أي في وطن واحد تجري حياتها ضمنه . أن امتداد الإجتماع هو ما يعين الأمة وليس امتداد اللغة والدين ، أن الأمة لا تتأسس على الدين .
نعود الى الأرسوزي الذي كتب في جريدة "فتى العرب" تاريخ 26 ك2 سنة 1938 يقول : "اما من جهة اليهود فرأيي أنه يجب أن يتفاهم العرب و اليهود في العالم و يتعاونوا لإعادة مجد العرب وتحقيق العبقرية العربية- اليهودية ... اليهود شعب درج من أصل عربي و تطور وفقا لظروف أحاطت به في الماضي فأبعد عن الأصل بعض الإبتعاد في مظاهر حياته إلا أنه لا يزال محتفظا بعبقريته التي هي العبقرية العربية وما اندماجه مع العرب إلا عودته الى أصله الحقيقي ..." ( يومها رد عليه سعادة بعد يومين ساخرا من ما أسماه الرأي الظريف للأرسوزي ) والجدير ذكره أن حزب البعث شيد تمثالا للأرسوزي وأسماه القائد المؤسس .
وماذا عن الحصري ؟ إذا كان الأرسوزي يمتاز بعروبة الأصل العربي السامي المزعوم لجميع السوريين و الذي يجب أن يتفاهم و يتعاون مع اليهود كونهم حسب رأيه هم أيضا من أصل سامي عربي ( الحقيقة العلمية التشريحية المادية الثابتة اليوم تدحض هذا الزعم كليا ) ، وإذا كان عفلق هو صاحب نظرية العروبة الدينية بإمتياز ، فإن الحصري هو صاحب نظرية العروبة اللغوية و حدود الوطن هي حدود انتشار اللغة . والثلاثة يشتركون معا على نسب متفاوتة بالصفات الثلاث : العروبة العنصرية و العروبة الدينية و العروبة اللغوية ، و كل هذا يؤدي الى القول بأن العروبة الوهمية لا وطن لها ، في وقت أن الأمة بالمعنى العلمي الإجتماعي تجد أساسها قبل أي شيء آخر في وطن معين تجري حياتها ضمنه ، وأن العلم يقول لنا أن توزع الارض الى بيئات هو السبب في توزع البشر الى جماعات . أن "الوطن العربي" المزعوم هو وطن إفتراضي متخيل موهوم غير موجود و ليس له إسم وأن المساحة الممتدة من المحيط الاطلسي الى المحيط الهندي لا تشكل بيئة طبيعية واحدة و لا تقوم عليها كتلة إجتماعية إقتصادية عمرانية أي مجتمع واحد ، أنها ليست وطنا واحدا وأن تعبير "الوطن العربي" هو خطأ شائع و هو مجرد مجادلة و تقليد لقولنا بالوطن السوري .
ساطع الحصري مشهور أيضا بالحوار و هو مع الديموقراطية وهو ضد الاستبداد ، حسب أوصاف عروبة بشور الحوارية ، لكن ها هو الحصري يقول : "كل متحدث بالعربية هو عربي أكان يعي ذلك ام لا يعيه ، أو كان يريد ذلك أم لا يريد . (كتابه- القومية العربية ، صفحة65 ) أننا لو قلنا اليوم أن كل متحدث بالإنكليزية هو إنكليزي أكان يريد ذلك أم لا يريد ، لإنتفض ضدنا الكنديون و الاميركيون و الاوستراليون و نعتونا ليس فقط بالإستبداد بل بالجنون !
إن الحصري الذي قضى نصف عمره قوميا عثمانيا و صاحب عقيدة قومية عثمانية ، كما أخبرنا هو نفسه ، ( هي بالحقيقة امبراطورية و ليست قومية ) تتخطى الأصل اللغوي و العرقي و لا تقف عند تركي و عربي وأفغاني و سوري و مصري وأرمني و بلغاري و بلقاني و تقول بالوطن العثماني الكبير و "اللغة هي آخر ما يجمع العثمانيين واحدهم بالاخر" ، والنصف الآخر الثاني من عمره قضاه قوميا عربيا يعطي اللغة الدور الأساسي و الجوهري في تعيين و تحديد الوطن و الأمة والقومية ، الحصري هذا عنده أن الوطن لا حدود ثابتة له ، هي ليست حدود امتداد الإجتماع و العمران و الحياة بل حدود امتداد اللغة و انتشارها ! وعندما سئل كيف تحول ساطع بك العثماني من العثمنة الى العروبة اجاب "حين انفصل العرب عن السلطنة العثمانية لم يكن مندوحة من اللحاق بهم" ( من مقابلة مع ساطع الحصري 28 ايلول سنة 1966 )
هكذا هي القومية العربية الوهمية إذا ، إنفصال عن السلطنة العثمانية ، وأن كل تفلسف اللغة وأن اللغة هي أساس القومية ما هو إلا فلسفة للإنفصال عن السلطنة وجعله عقيدة . هذا هو الحصري الذي تجاهل سعاده وعلم سعاده وحجج سعاده وفلسفة سعاده و لم يحاور و لم يناقش و لم ير و لم يسمع ... الى أن استشهد سعاده فاستفاق الحصري وأخذ ينتقد سعاده بعد غيابه وأراد أن يجادله بعد استشهاده .
الحصري مثله مثل الأرسوزي و عفلق و جميع العروبيين الوهميين ، تمتاز عروبتهم بالصفة العنصرية و الصفة الدينية معا و إن زينوها و وصفوها بالجامعة و الديموقراطية والنهضوية و غيرها من الأوصاف الجميلة . و قبل أن نتركه سنستشهد ببعض أقواله و كتاباته التي تشهد و تؤكد على ما نقول . تعالوا نرى كيف "استطاع" الحصري أن يبرهن أن عروبته حضارية و أن ينفي عنها الصفة الدينية والعنصرية . قال : "أن الحضارة العربية الراقية الخالصة في الجزيرة العربية ابتدأت قبل الاسلام ، فالقصيدة الجاهلية و القرآن اشتملا على مفردات تفيد معاني مجردة و تدل على تطور فكري رفيع المستوى في الجزيرة العربية قبل الاسلام ." ( ما هي القومية- صفحة 252 ) أنه في نفيه أن يكون الدين هو من أسس و عوامل القومية العربية أكد ما حاول نفيه ، لأن الحصري في برهانه الوارد فوق إقتصر على العرب في الجزيرة العربية قبل الاسلام كمصدر للعروبة التي ما انتشرت خارج الجزيرة إلا مع الإسلام . أنه يرى الجزيرة العربية قبل الإسلام هي و ليس غيرها مصدر العرب و العروبة و القومية العربية وأن كل من كان خارجها في سورية و مصر مثلا ، قبل الاسلام ، لم يكونوا عربا بعد حيث أن لغتهم لم تكن عربية بعد . هكذا وقع الحصري بورطة الإعتراف أن السوريين والمصريين صاروا عربا بالإسلام بعد اعتناقهم الإسلام واكتسابهم لغته العربية . الحصري أكد ما حاول أن ينفيه و أكد على العروبة العنصرية التي هي العنصر العربي قبل الاسلام ، وأن العروبة خارج الجزيرة العربية إنما أتت و انتشرت مع الاسلام و أن الإسلام هو في أساس القومية العربية . الحصري لم يكن مضطرا أن ينفي أن الدين هو اساس قوميته ، فعفلق مثلا لم ينف ذلك ، لكنه فعل ذلك ليجملها و يحسنها و يضفي عليها طابع "الجامعة و الديموقراطية و التقدمية" فما استطاع . فهل استطاع بشور ؟؟ والحصري أيضا في تأكيده على الأساس اللغوي لقوميته العربية اضطر لذكر دور القرآن و فضله في توحيد اللغة وإنقاذها من تعدد اللهجات التي تضعفها ، و هنا أيضا وقع في ورطة لم يكن يريدها و هي أن الإسلام هو عنصر أساسي في قوميته العربية ، أنه يقول : "أن اللغة العربية كادت أن تتصدع الى لهجات لا تفهم لولا القرآن ولغته الموحدة ، أن الإسلام حمى القومية العربية" ( ما هي القومية- صفحة 255 ) .
هكذا عندما نقرأ سعاده في حملته العنيفة على العروبة الوهمية ، عروبة الأصل و العنصر العربي و العروبة الدينية واللغوية ، صرنا نفهم ما هي الأفكار التي كان يواجهها ويكافحها ، وصرنا نعرف أكثر الفرق بين هذا النوع التعيس من العروبة الرجعية من جهة و العروبة الواقعية الصحيحة التي يدعو اليها من جهة اخرى . ويجب هنا أن نتوقف عند التأويل الفاسد والبسيط في فساده الذي يتهم سعاده أنه ضد العرب وضد الاسلام ، هذا التأويل الذي يقول : وما العيب في الإسلام وما العيب في العرب كشعب وجذر وأصل قبل الاسلام و مع الاسلام و بعد الإسلام و لماذا هذه الحملة من سعاده على الأصل السامي العربي و على الاسلام ؟ أن هذا التأويل لا يمكن أن يصدر إلا عن الجهلة البسطاء ناقصي العلم عديمي التمييز سيئي النية ، لأن سعاده ، و هو عالم الإجتماع ، هو ضد إقحام الدين بالقومية و إقحام القومية بالاصل العنصري و لم يكن يهاجم لا العنصر العربي ولا الاسلام . "القومية لا تتأسس على الدين" ، اي دين ، يقول سعاده ، لأن الدين بطبيعته عالمي عابر للقوميات و الأوطان ولا يقف عندها ، أما القومية فهي وعي القوم لوحدة حياتهم الإجتماعية الإقتصادية بغض النظر عن تعدد أديانهم و مذاهبهم أو عدم تعددها ، القومية هي تنبه القوم لوحدة مصالحهم و وحدة مصيرهم في وطنهم الواحد . و الأمة ليست عنصرا و ليست لغة و ليست دينا و ليست هذه مجتمعة ، خاصة في مجتمع متعدد الأصول العرقية و متعدد الاديان . الأمة هي مجتمع طبيعي حصل فيه الوجدان الإجتماعي و أن الإشتراك في الحياة و في دورتها الإجتماعية الإقتصادية في وطن معين هو ما يجعل الناس أمة واحدة ، وهذا لا علاقة له بالدين و المذاهب الدينية التي تخضع هي للمجتمع و ثقافته و ظروفه و تتكيف معه و لا يخضع هو لها .
و طالما يعرف الأستاذ بشور انه "في أمة متنوعة الأديان والمذاهب و الأعراق و متعددة التيارات ولا يمكن لأي هوية أن تكون جامعة إلا إذا قامت على الحوار بين مكونات الامة ..." فلماذا لا يعرف أن العرب و الاصل العربي و بالتالي الإسلام المحمدي هم واحد من هذه المكونات وأن هذا المكون الواحد لا يمكنه إختزال المكونات الاخرى كلها و يطبعها كلها بطابعه الخاص و يسميها كلها بإسمه هو و يفرض عليها هويته الخاصة . ولماذا لا يعرف بشور أن الحل الوحيد لجعل هذه المكونات منسجمة غير متضاربة و متفقة غير متحاربة هو التفتيش عن الجامع المشترك بينها و التركيز عليه ؟ اولا يعرف استاذنا أن الجامع المشترك هذا هو الوطن الذي يحضن جميع الأصول و الأقوام النازلة فيه و يمكنها ليس فقط من الحوار بل من الإختلاط و التمازج و التفاعل أفقيا مع بعضها وعموديا مع بيئته الطبيعية و يجعلها أمة واحدة ، وهذا التفاعل هو ما يكسبها شخصيتها الواحدة و يكسبها صفات و مزايا تميزها عن غيرها من الامم ؟
أما القومية العربية التي تشمل المسلمين الناطقين بالعربية من خارج وطنهم السوري بينما تخرج و تستثني ملايين المواطنين السوريين لأن أصولهم أكراد وسريان وتركمان وشركس وسائر الإثنيات السورية ، أن هذه القومية هي عامل إنقسام وليس عامل توحيد ، أن هذه القومية هي القومية التي قال عنها سعاده أنها ممخرقة تريد أن تجمع ما جعلته الطبيعة متفرقا وتفرق ما جعلته الطبيعة والحياة موحدا . وهذه القومية هي القومية التي قال عنها سعاده أنها مرض نفسي شوه العقل والمنطق و الإدراك السليم . و يريد الأستاذ بشور اليوم أن يحاورنا و يقنعنا بعروبته "الجامعة" بعد ستين سنة من إعلان سعاده أن هذه العروبة قد أفلست . الأحرى أن يعيد بشور النظر في عروبته المفلسة التي شهدنا سابقا إفلاسها في فلسطين و نشهد اليوم إفلاسها في الشام وفي الشمال السوري وفي الحسكة تحديدا . إسمع يا أستاذ بشور ماذا يقول "ابو العروبة" ميشال عفلق وعلى أية مفاهيم قامت العروبة المفلسة ، إسمعه يقول سنة 1982 : "هل يضيرنا أن يكون هناك شعب كردي مؤلف من عشرة ملايين أو أكثر وأن يكون بمثابة الأخ والشقيق للأمة العربية وأن يكون هناك تعاون وتفاعل ؟ نحن كعرب نساعد على تحريرهم ، نساعد إخواننا الأكراد على متابعة تحرير أجزاء وطنهم وشعبهم وتوحيده ..." هل عرفت الآن من هو المسؤول عن نشوء المسألة الكردية وتفاقمها والمسؤول عن دفع الأكراد دفعا للتفتيش عن حقوقهم البديهية بالمواطنة المتساوية التي سلبتها منهم القومية العربية "الجامعة" ؟ وهل لا زلت تعتبر بعد كل هذا الإفلاس وكل هذه الفضائح أن القومية العربية هي "جامعة" ؟؟؟
منذ أكثر من ثمانين سنة كتب سعادة مقدما لكتابه العلمي "نشوء الامم" قال : "لا مشاحة في أن رسالة الزعيم القومية لاقت صعوبات جمة من عدة انواع . وأهم صعوبة كانت في الجهل التام للمسائل القومية عامة المتفشي في الشعب . فما كاد يشيع أن رسالة الزعيم تحمل فكرة القومية السورية حتى قامت ضجة عظيمة حول الأمة ومعناها ومعنى القومية . فأخذ الجهلة المدعون يقاومون فكرة القومية الصحيحة مؤولين الحقائق وفاقا للنعرات الخاصة التي ربوا عليها ، فتخبطوا في هذا البحث خبط عشواء وخلطوا بين المسائل الإجتماعية و السياسية و الاقتصادية خلطا زاد بلبلة العقائد والأفكار بلبلة عظيمة . وبناء على هذه الحالة رأى الزعيم أن الحاجة الى أساس علمي لهذا الموضوع الإجتماعي الخطير ماسة ، وأن لا بد من وضع كتاب في علم الإجتماع يوضح الواقع الإجتماعي و يرينا كيف نشأت الأمم من تطور الإجتماع الانساني فيكون الحد الفاصل بين الخلط والهذر وبين الكلام الجدي المبني على المعرفة" ( الاثار الكاملة ج 4 صفحة 66 )
والآن وبعد ثمانين سنة من إعلان سعاده أن العقل هو الشرع الأعلى في الحياة ندعو بشور وجميع العروبيين الوهميين في سوريه الى التعرف على وطنهم وإدراك روعة وقداسة الإنتماء اليه . أن وطنكم هو سوريه وليس العربة ، هو سهول سومر وضفاف دجلة و ما بين النهرين العظيمين والجزيرة السورية ، هو شرايين الحياة المتدفقة من اليرموك والاردن ، من بردى النهر الوحيد في العالم الذي لم تسمح له الحضارة والمدنية السورية من أن يكون مصبا لأنها استهلكته كله فهي موجودة قبله منذ ما قبل التاريخ ، هو حلب وكيليكيا والاسكندرون والعاصي والوديان الخصبة التي شهدت أول تفتح للحياة والحضارة الانسانية اطلاقا ، هو شواطئ البحر السوري من أضنة ومرسين وقبرص الى غزة وسيناء مرورا باوغاريت وجبيل وصيدا وصور مراسح ومنابع التمدن الإنساني منذ ما قبل الزمن التاريخي الجلي ، هو جبال لبنان والحرمون وجبل الشيخ والجولان ، هو الحولة وطبرية ، هو القدس وعكا وحيفا حيث زرعت أول سنبلة قمح في العالم ...
على هذه الارض المقدسة نشأت أديان وأتت أديان وتمذهبت وتبدلت وتغيرت ، ونشأت وأتت لغات وتفاعلت وتطورت وتغيرت وازداد الناطقون بها أو نقصوا ، ونزلت هجرات وسلالات وأعراق وأصول وتصادمت ثم تفاعلت وتمازجت وانصهرت .... وبقي الوطن . وبقيت دمشق ، منقذة القدس ومحررتها ، أقدم مدينة في التاريخ لا تزال قائمة ، فلنؤسس عقيدتنا على هذا الثابت الدائم الراسخ الوحيد الذي لا يتبدل ولا يتغير ونقول : لتحي سوريه . هذا هو وطنك يا أستاذ بشور وهذه هي أمتك وهذه هي قوميتك الصحيحة ، وليس وطنك خارطة انتشار اللغة العربية وليست أمتك الجماعات التي لا تشكل مجتمعا واحدا وليست قوميتك في التعلق بالأوهام والإستغناء عن طلب الحقيقة في السير وراء السراب .
أما العروبة الحقيقية يا أستاذ بشور ، العروبة الممكنة ، العملية ، الواقعية فهي جبهة العالم العربي اللسان التي أرادها سعاد أن تكون تعاونا في السياسة والاقتصاد والحرب ، هي العروبة التي أعلن وقال فيها أننا درعها وسيفها وترسها .
أما وادي النيل ففيه مجتمع إنساني عظيم عريق اخر ، أما مصر فهي للمصريين كما سوريه هي للسوريين . المصريون هم دائما فخورون بمصر وهي لهم "ام الدنيا" وعروبتهم لم تمنعهم من الهتاف : تحيا مصر ، فلماذا يا أبناء وطننا العروبيون تتحسسون من الهتاف : لتحي سوريه ؟
في الختام لكم منا أغلى تحية وأجمل تحية وأعز تحية ، لكم : لتحي سوريه .
Chehade Ghaoui